كثيرة هي النجاحات التي حققتها السلطة الوطنية الفلسطينية منذ تشكلها وقيامها عام 1994م ، كمقدمة لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ، والتي صنعتها وتقف خلفها وبقوة منظمة التحرير الفلسطينية بكافة مؤسساتها وأجهزتها المختلفة وفصائلها الوطنية ، باعتبارها الإنجاز الوطني الذي تحقق بفضل نضالات شعبنا الفلسطيني الصابر الصامد وقيادته الوطنية الشرعية ، التي تمتلك كل مقومات القيادة وأسسها المرتكزة على أحدث مفاهيم الإدارة والتنظيم والتخطيط الحديثة ، والتي تنظم العلاقات بين مؤسساتها وأجهزتها وشعبها ، فانتقلت ونقلت الشعب الفلسطيني وقضيته بكل اقتدار من مرحلة التشتت والضياع ، إلى مرحلة النضال الوطني بمراحله المختلفة ومفاصله المتعددة ، وقضيته من قضية لاجئين إنسانية إلى قضية سياسية بامتياز مؤثرة ومتأثرة بالعالم من حولها ، مجبرة العالم بأسره على احتضانها والاعتراف بضرورة وأهمية مساعدته على إقامة دولته الفلسطينية المستقلة ، وتمكينة من حقوقه الوطنية وثوابته المشروعة .
ومن بين وأكثر وأوضح هذه النجاحات التي تحققت ، ما تم إنجازه على مستوى الدبلوماسية الفلسطينية وأهمها بنية وعمل ومهمات سفارات فلسطين بالخارج ، التي نجحت بعد سنوات نضال وعمل دؤوب بنقل هموم ومعاناة الشعب الفلسطيني لشعوب العالم المختلفة ، فأزاحت الشعوب والحكومات العالمية المعنية بالقضية الفلسطينية والمتأثرة بها والراغبة بحلها ، من مصطفة بجانب المحتل ومتعاطفة مع قضية شعبنا ومعاناته ومشاكلة الحياتية اليومية فقط ، إلى متفهمة وفاعلة وعاملة على تمكينه من قضاياه وحقوقه السياسية المختلفة .
ومما ساعد الدبلوماسية الفلسطينية التي عمادها سفارات دولة فلسطين العاملة والنشطة في أكثر من ثمانين دولة فاعلة ، وارتكازها على عدد آخر من السفراء غير مقيمين في عدد آخر من الدول المتعاطفة أصلا مع شعبنا ومع قضيته ، هو الإبداع الفلسطيني وتمكنه من كل عناصر الإدارة المعلوماتية ، فكانت دولة فلسطين من أوائل الدول رغم التدخلات والتداخلات الإسرائيلية التي استخدمت للتواصل بين مقراتها وأجهزتها المختلفة وبخاصة مع سفاراتها بالخارج أحدث وسائل التكنولوجيا بالإتصال المرئي والمسموع ، إضافة للحقيبة الدبلوماسية النشطة ، بهدف التسريع بعملها وضمان الدقة بانجازاتها .
ومن أهم إنجازات السلطة الوطنية الفلسطينية واجنحتها بالخارج ، نجاحها التام والحقيقي بتطويق الحملات الإسرائيلية السياسية الهادفة للإساءة لشعب فلسطين ولقيادته ، ومحاولة الشخبطة على تاريخه النضالي وإرثه الثوري الوطني ، والتعتيم على حاضره الإبداعي البَنّاء نحو الدولة المستقلة وتقرير المصير ، ومحاولة نسف حقوقه وثوابته وتصويره على أنه شعب إرهابي لا يؤمن بالسلام الذي تنشده الدول وتتمناه الشعوب التي من بينها شعبنا الفلسطيني التواق للحرية وللأمن وللسلام ، ومحاولة إقناع العالم بأنه فاقد للأهلية لقيادة دولته المستقلة التي يطالب بها جراء مشاكله الداخلية وتخلفه الفكري كما تحاول أن تشيع وتصف ثقافته النضالية ، من خلال الفبركات الإعلامية التي تنسجها بعض الإبواق والأقلام المؤيدة لإسرائيل والمعادية لتطلعات وآمال شعبنا ، ومن خلال التهم والإشاعات الكاذبة التي تحاول أن تسوقها وتلسقها به ، فقد تمكنت جميع السفارات الفلسطينية بفعل حراكها الدائم وتواصلها المباشر بدون إي عوائق مع المقر ، وبفعل نشاط الرئيس الفلسطيني محمود عباس ( ابو مازن ) وتواصله مع الدول وسفاراتنا بالخارج ، من إعادة البوصلة الدولية باتجاه شعبنا وحقوقه وقضيته ، ففي حين أنّ مجموع الدول التي اعترفت بقيام دولة فلسطين بعد وثيقة الجزائر وصل ل 106 دول ، إزداد عددها منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا بفعل الحراك الدبلوماسي الفلسطيني الذي قاده الرئيس الفلسطيني محمود عباس بنفسه ، وبفعل النشاط الكبير والواسع لسفاراتنا بالخارج ، التي نقلت الكثير من الدول من متفرجة سلبية بمواقفها إلى متعاطفة إيجابيا مع قضيتنا ، ودفعتها للوقوف بجانبها وللتصويت لصالحها في الأمم المتحدة ومنظماتها العاملة ، والتي على إستعداد للإعتراف الفعلي بالدولة الفلسطينية حال قيامها قريبا ليصل عددها إلى أكثر من 164دولة من أصل 196 دولة عضو في الأمم المتحدة ، والذي قد يزيد عن 185دولة حال الاعتراف الأمريكي والدول الدائرة بفلكها بها ، في حين أنّ مجموع الدول التي أعلنت إعترافها بإسرائيل حال قيامها بلغ 86دولة فقط ، ارتفع إلى 134 قبيل السبعينات من القرن الماضي نتيجة للضغوط والتداخلات الأميكية والأوروبية الغربية المساندة لها ، إلا أنه عاد وأنكمش كثيرا بفعل الحراك الدبلوماسي الفلسطيني والعربي الذي رافق انتصار حرب رمضان 73 م والإنتفاضة الفلسطينية الأولى 87م ، لكنه عاد ليرتفع قليلا بفعل تفكك دول الاتحاد السوفييتي السابق وبفعل نتائج وإرهاصات حرب الخليج الثانية التي أثرت سلبا على مسار القضية الفلسطينية ، ثم عاد وبفعل الحراك الفلسطيني المنظم والمستمر لينكمش قليلا، بعد إن سحبت أو قطعت بعض الدول إعترافها وعلاقاتها بإسرائيل ، واعلنت تضامنها الكامل مع الشعب الفلسطيني واعترافها بالدولة الفلسطينية .
أما سر النجاح الذي حققته الدبلوماسية الفلسطينية وسفاراتنا بالخارج بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية ومباشرتها أعمالها البنائية والنضالية ، فهو تمكن القيادة الفلسطينية من القضاء على كل الترهل الإداري فيها الذي كانت مسؤولة عنه الدائرة السياسية ، التي ألغي عملها ومكاتبها بالخارج بقرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأصبحت تحت إدارة الرئيس المباشرة ، للتخلص من نفقاتها الزائدة التي أثقلت على المواطن الفلسطيني الذي يجب أن يوجه له كل الدعم ، وخاصة في هذه الظروف المصيرية والاقتصادية الصعبة ، وبسبب الفساد الإداري الذي أفقدها ضرورة بقائها لقيامها بتعيين مجموعة كبيرة من الموظفين والإداريين بالواسطة والمحسوبية ، وبسبب الفساد السياسي الذي حال دون انجازها لأعمالها المنوطة بها ، ولاتخاذها مواقف مغايرة لمواقف منظمة التحرير الفلسطينية تقربا وتزلفا من بعض أعدائها ، وبسبب الفساد الوظيفي الذي شوّه أداءها وجعلها منافسة للسلطة الوطنية الفلسطينية لا مكملة لها .
ومن أجل الشفافية بالعمل القيادي وقراراته المهمة ، ومن أجل الوصول للتخطيط السليم الهادف لبلورة موقف وطني مؤيد للقرارت الحكيمة والشجاعة التي تتخذها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية ، كان هناك دائما لجان فنية وإكاديمية تهدف لتأييد القرارات أو تصحيحها أو إعادة صياغة البعض منها وإعادتها لدراستها ، للخروج بأفضل القرارات والخطوات التي تساهم باحترام العالم لفلسطين شعبا وحكومة وقيادة ، وتساهم باحترام شعبنا الفلسطيني لذاته ولقيادته ، خاصة في هذه المرحلة التي كثر بها المزورين للحقيقة ، الراغبين بإلهاءه بقضايا جانبية غير حقيقية بعد أن صوروها وكأنها حقائق ثابتة ، متناسين قدرة شعبنا على التدقيق والتمحيص وبحثه الدائم عن الحق والحقيقة ، ومن هذه اللجان المتخصصة القائمة لجنة الإشراف على إدارة ملف الدبلوماسيين والسفراء الفلسطينيين بهدف الوصول لأرقى وأنجع الحلول للنهوض أكثر بعمل السفارات والمفوضيات الفلسطينية بالخارج ، وللتخلص من الترهلات الوظيفية في بعضها بما يتوافق والمصلحة الوطنية العليا لشعبنا الفسطيني .
وككل سفارات دول العالم بدءا من سفارات أصغر وأفقر الدول حتى أكبرها وأغناها ، التي لا بد وأن تكون لها مخصصات مالية لأنجاح الأعمال والمهمات الموكولة إليها ، كذلك هي سفاراتنا بالخارج التي كانت وما زالت من أكثر السفارات العربية والأوروبية وغيرها على الإطلاق التي يؤمها يوميا العشرات من المراجعين المحتاجين لمساعدتها أو لإنجاز معاملاتهم ، والتي تقدم لهم كل الدعم والرعاية وتجيب حاجاتهم واحتياجاتهم المادية وغيرها بتفهم ودراية وبشفافية ونزاهة ، وفق أحدث أسس الرقابة المالية والتفتيش الإداري ، وبزيارة واحدة من مُشكك أو زاعم بخطأ ذلك لإحدى السفارات الفلسطينية المنتشرة في العالم ، تكون كافية له ليبني مواقفه النبيلة على الحقيقة التي ينشدها ، بدل صنعه للخبيثة المغرضة التي يأمل غيره الأفاق بها ، ونقله من داعم للإشاعات الصهيونية والعميلة التي تسيء لشعبنا ولقيادته ، إلى متفهم ومتفاعل مع إنجازاته وتضحياته وقضيته ، وإلى داعم ومساند ودافع للمركب الفلسطيني نحو الحرية والتحرير وتقرير المصير ، والمنطلق بقوة وإصرار وتحدي نحو دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ، بقيادة الرئيس الفسطيني محمود عباس أبو مازن الراسخ على مبادئه ، الثابت على مواقفه ، المستنير بهدي دينه وهدى شعبه .