اسرائيل توشك أن تتخذ قرارا خاطئا يمثل كارثة حقيقية.. وقاتلة في اكبر بكثير من فداحة الهجوم على قطاع غزة. توشك اسرائيل ان تختار ( اذا ما قال الرئيس الاسرائيلي بتكليفه بتشكيل الحكومه القادمه رغم احتلال حزبه للمركز الثاني في الانتخابات الاخيره ) زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو من جديد رئيسا للحكومة الاسرائيلية. إنها كارثة حقيقية لأن هذا الرجل يدعو الى إعادة أحتلال قطاع غزة بالقوة و«تصفية« حكومتها المنتخبة ديمقراطيا. بنيامين نتنياهو هو أيضا الرجل الذي يدعو الى «النمو الطبيعي« للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. إنه أيضا الرجل الذي يقول انه لن «يتفاوض« أبدا حول القدس ومرتفعات الجولان أو المصادر المائية في الضفة الغربية. بنيامين نتياهو هو أيضا الرجل الذي يقول
ان قيام الدولة الفلسطينية سيشكل خطرا وجوديا وكابوس علاقات عامة يذكر بكابوس تشيكوسلواكيا .1938 بنيامين نتنياهو هو أيضا الرجل الذي قالت عنه أرملة اسحاق رابين إنه يخلق مناخا من الكراهية مما أدى الى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق اسحاق رابين. لا شك أن عملية «الرصاص المسكوب« التي نفذتها اسرائيل على مدى ثلاثة أسابيع في قطاع غزة قد عادت بالفائدة السياسية على أحزاب اليمين الاسرائيلي.. لقد أظهرت استطلاعات الرأي تقدما ملحوظا لحزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو إضافة إلى السياسي الأكثر تطرفا أفيجدور ليبرمان الذي يتزعم حزب «إسرائيل بيتنا«، فبنيامين نتنياهو وأفيجدور ليبرمان لا يبديان أي تحفظ على العملية العسكرية التي ادت الى مقتل أكثر من 1300 مدني من بينهم 410 أطفال. انهما يعتبران فقط أن عملية «الرصاص المسكوب« لم تذهب الى أبعد مدى. لذلك فإن العالم ينظر اليوم بخوف وحذر الى هذين الرجلين ويتساءل عن سيناريوهات المرحلة القادمة في الشرق الأوسط. إن المفتاح الذي يمكننا من فهم شخصية بنيامين نتنياهو إنما يعود الى أبيه «بنزيون« فقد كان مختصا في تاريخ القرون الوسطى وقد كان يؤمن بأن العالم مليء بسلسلة متواصلة من جرائم الإبادة المعادية لليهود والسامية. عندما وصل «بنزيون« الى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني أعلن أن أغلب اليهود الذين كانوا هناك في فلسطين «سذج ومثاليون« واعتبر أنه يتعين على اليهود أن يقوموا فورا بالاستيلاء على كامل أرض اسرائيل التوراتية.. أي احتلال الضفة الغربية وهو ما أصبح يعرف اليوم بالأردن. يعتبر «بنزيون« أيضا أنه لا يمكن أبدا القبول بالحلول الوسط مع العرب الذين «لا يفهمون سوى لغة القوة«. يقول بنزيون ان «أبا أهيمير« هو معلمه وأبوه الروحي علما أنه كان يسمي نفسه بكل فخر: «الفاشي«. أما بنيامين نتنياهو، ابن بنزيون، فإنه يقول اليوم انه يشبه التعامل مع الفلسطينيين بالتعامل مع النازيين. يعتبر بنيامين نتنياهو أن الغضب الذي يعبر عنه الفلسطينيون أشبه ما يكون بتلك
الكراهية ضد اليهود التي عمت اوروبا. يشدد بنيامين نتنياهو على أنه لا يحق للفلسطينيين أن يحصلوا ولو على شبر واحد من الأرض التي سرقوها سنة 636 بعد ميلاد المسيح. لذلك فإن بنيامين نتنياهو ظل يعمل على تحريض وإفشال كل مبادرة للسلام تعرضها اسرائيل، لعل ذلك تجلى في ردود فعله الغاضبة على قرار رئيس الوزراء الأسبق اسحاق رابين بتوقيع اتفاقيات أوسلو مع ياسر عرفات رغم أنها لا ترتقي حتى الى الحل الوسط وغنمت من ورائها الكثير. لقد حرض بنيامين نتنياهو الجموع الغاضبة في احد المجمعات وراح يغني معهم: اسحاق رابين نازي« و«بالحديد والنار والدم اللعنة على رابين يجب أن يموت«. لقد وصل بنيامين نتنياهو الى حد وصف رابين بالخيانة وذلك قبل أيام فقط من اقدام متطرف يهودي يدعى ايجال عامير على اغتياله.. بعد أن تأثر بكلام نتنياهو واعتبره بدورها خائنا. أما الرجل الآخر الذي برز موقعه في استطلاعات الرأي والذي قد يصبح شريكا لنتنياهو في حكومة ائتلافية فهو افيجدور ليبرمان، وهو روسي متطرف كان يعمل في أحد الملاهي. يقول ليبرمان انه يجب التعامل مع الفلسطينيين بالطريقة نفسها التي تعامل بها فلاديمير بوتين في التسعينيات مع الشيشان في حرب أدت الى مقتل أكثر من ثلث السكان الشيشانيين. يريد ليبرمان أيضا تجريم الأحزاب السياسية التي يصوت لها العرب الاسرائيليون ويدعو إلى معاملتها مثل «حماس« في قطاع غزة. لعل ما يبعث على الاحباط وأسهم بالتالي في ازدياد سطوة اليمين ممثلا في حزبي الليكود واسرائيل بيتنا، الأداء الباهت لبقية الأحزاب. فكل من حزب كاديما وحزب العمل دافعا عن فرض الحصار على قطاع غزة ومن ثم قصفه على مدى ثلاثة أسابيع، بل ان زعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني وحزب العمل ايهود باراك قد تزعما الحرب على غزة أملا في تحقيق مكاسب تكتيكية انتخابية بل ان ايهود باراك قد أصبح بدوره يستدل بما فعله فلاديمير بوتين في الشيشان في التسعينيات من القرن الماضي. أما الأحزاب المؤيدة للسلام مثل حزب «ميريتس« اليساري فإنها تجد اليوم نفسها في الهامش. كيف حدث كل هذا؟ يجب أن نتذكر أن الاسرائيليين لم ينته بهم المطاف في الشرق الأوسط نتيجة رغبة شريرة في القتل والاحتلال مثلما يقول البعض. لقد ذهبوا الى هناك لأنهم كانوا يفرون من مشاعر الكراهية وأعمال الإبادة في أوروبا. هذا لا يبرر ارتكابهم اليوم أي جريمة في حق الشعب الفلسطيني، إذا نسينا هذا الأمر فإننا لن نفهم ما يحدث اليوم. خلال الأشهر الماضية، كنت أعود دائما الى الكتاب الذي ألفة الروائي الاسرائيلي الكبير عموس عوز في سنة .1982 لقد شبه رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك مناحيم بيجن القيادة الفلسطينية بأدولف هتلر زعيم المانيا النازية. عندها كتب عموس عوز مخاطبا مناحيم بيجن: إنك تسعى لاحياء ادولف هتلر من بين الأموات حتى تظل تمعن في قتله مرارا وتكرارا بعد ذلك. على غرار العديد من اليهود، فإنني أشعر بالحسرة لأنني لم أقتل ادولف هتلر بكلتا يدي. لكن هذا الجرح الغائر والمفتوح لم ولن يندمل فعشرات الآلاف من القتلى العرب لن يلملموا هذا الجرح. سيد مناحيم بيجن لقد مات ادولف هتلر، إنه لا يختبئ في النبطية أو في صيدا أو في بيروت. لقد مات وتحول الى رماد. مضى عموس يقول: ان المجتمع الاسرائيلي عبارة عن حثالة من اللاجئين المهووسين. هذا يعني أن اسرائيل إنما تفرط في فرص كثيرة لتحقيق السلام. رغم أنني من معارضي حماس فإن هذا الحزب الاسلامي الراديكالي أبدى استعداده للدخول في هدنة طويلة على أساس حدود .1967 هذا ليس برأيي. انه موقف يوفال دسكين، الرئيس الحالي لجهاز الشين بيت الاسرائيلي وقد قال هذا الكلام للحكومة الاسرائيلية قبل الحرب على غزة. لقد قال أيضا ان حماسا ستعود إلى الالتزام بالهدنة إذا ما رفعت اسرائيل الحصار وأعلنت وقف إطلاق النار في الضفة الغربية أيضا.. لكن اسرائيل اختارت قصف الضفة الغربية فمات ذلك العرض في المهد.